"التشي إلهية"

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

ما هو القاسم المشترك بين المناضل تشي جيفارا والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله؟ كلاهما يحمل هم النضال الى خارج الساحة التي انطلق منها. الثائر الارجنتيني ذهب بعد انتصار الثورة في كوبا حاملاً صليب خلاص اميركا الجنوبية ليلقى حتفه في بوليفيا. أما الامين العام لـ"حزب الله"، وبعد "الانتصار الإلهي في تموز 2006 في جنوب لبنان، حمل تكليف ولاية الفقيه وارسل رجاله الى سيناء لنصرة غزة. لكن الاسطورة التوراتية لم تتحقق فلم ينشق البحر، ولم ينجح الهاربون من بطش جيش فرعون. بل انتهى الامر الى السجن المصري حيث تتلاحق الفصول. 

ربما هناك فائدة من متابعة المقارنة بين "التشيغفارية" و"النصر إلهية" من باب دروس التاريخ واحتمالات الواقع. ففيما سُدّت الابواب أمام الحالة الثورية في كوبا بعد انتصار الثورة، وجد القائد الثوري جيفارا أن لا بد من التفتيش عن أمكنة بلا أبواب، لكن الظروف لم تعد سانحة فسقط شهيد احلامه. 

هذا في التاريخ، أما في الواقع، وبعد "الانتصار الإلهي" عام 2006، ولد القرار الدولي 1701 الذي أقفل أبواب الجنوب أمام "انتصار إلهي" جديد. فكانت الحاجة الى أرض بلا أبواب فأشتبه بأنها سيناء، لكنها بدت في الواقع ان لها أبواباً وهي أشد مما اعتقد "جيفارا" اللبناني. وفي هذا الوقت يتربع "فيديل كاسترو" السوري على عرش دمشق و"فيديل كاسترو" الايراني على عرش طهران. فينتبه الثائر نصرالله الى أن البوصلة تشير فقط الى مصر فكان لا مفر من مواجهة القدر هناك. وبما انه يحق لجيفارا ما لا يحق لغيره ما دام قرر أن يجنّب هافانا تبعات ثوريته، فقد أختار أن يكون شخصياً ضحية مبادئه. ولكن لا يحق لنصرالله كما لا يحق لغيره أن يجنّب دمشق وطهران تبعات فتوى ولاية الفقيه ويقرر من بيروت ارسال من أرسل الى سيناء. انه يتصرف حتى هذه اللحظة ان لبنان بلا أبواب، لكنه لم يوفق. إذ مَن قال له ان لبنان سيبقى هكذا بلا أبواب الى الابد أمام كل الفتاوى التي تأتي من وراء أسوار تحمي مصدّريها؟ 

اللبنانيون التواقون الى اسقاط الطقس الوثني الذي يبرر تقديم الضحايا كرمى خاطر الإلهة، كما هي حال لبنان منذ هزيمة حزيران عام 1967، ستكون لهم كلمة في 7 حزيران 2009. لا أحد يجادل في أن هناك لبنانيين يذهبون بخاطرهم الى مذبح آلهة دمشق وطهران. لكن هناك ايضاً كثرة من اللبنانيين اسقطوا تماثيل هذه الآلهة في 14 آذار 2005 ولن يسمحوا مجدداً بقيامها. 

"ألف" مشروع "حزب الله" الانتخابي قبل "بائه" هو المقاومة. وفي المقارنة فإن "ألف" مشاريع قوى 14 آذار هو الدولة. ومَن يختار أولوية "المقاومة" فسيقيّد اسمه على لوائح شطب "حزب الله" الذي له مطلق الحرية في ارساله الى سيناء. ومن يختار أولوية "الدولة" فسيقيّد اسمه على لوائح شطب لبنان فيفكر كيف يوفّر الامدادات لأهل الحرمان في الشمال والبقاع وسائر الديار اللبنانية. 

من البقاع انطلقت ثورة "حزب الله" عام 1982. وبعد 27 عاماً لا تزال المعضلة هي هي وتمتد الى أجيال. فالحرمان يذهب أحياناً الى ناحية الخروج على كل القيم والمبادئ ليصبح ستاراً لمن يدعون الحرمان. أليست هذه قضية لـ"حزب الله" تستأهل أن يتسلل اليها مجموعة من المناضلين يحملون المدد كل يوم من أجل تأكيد صوابية الثورة التي آن لها أن ترتقي الى قضية الدولة؟

أحمد عياش

النهار
No votes yet